تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٧ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٥
قوله جل اسمه: [سورة الفاتحة (١): آية ٥]
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)
إيّا ضمير منفصل للمنصوب و الروادف التي بعده من الحروف لبيان الخطاب و الغيبية و التكلّم و ليس لها محل من الإعراب إذ ليست هي بأسماء مضمرة عند المحقّقين.
و أما قول بعض العرب: «إذا بلغ الرجل الستّين فإيّاه و إيّا الشوابّ» فشاذ. و تقديم المفعول للدلالة على الاختصاص. فقولك للرجل: إيّاك أعني، معناه لا أعني غيرك:
و لا شكّ في أنه أبلغ من أن يقول: أعنيك كما في قوله تعالى قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا و المعنى: نخصّك بالعبادة و نخصّك بالاستعانة. و قرئ إيّاك بتخفيف الياء و أيّاك بفتح الهمزة و التشديد و هيّاك بقلب الهمزة هاء و قرئ بكسر النون فيهما و هي لغة بني تميم فإنّهم يكسرون حروف المضارعة غير الياء إذا لم ينضم ما بعدها. و العبادة ٦٩ ضرب من الشكر و غاية فيه لأنها الخضوع و التذلّل ٧٠ يدل على أعلى مراتب التعظيم و لا يستحقّها أحد إلّا بإعطاء اصول النعم الذي هو خلق الحيوة و القدرة و الحسّ و الشهوة و لا يقدر عليه أحد إلّا اللّه فلذلك اختص سبحانه بأن يعبد، و لا يجوز العبادة لغيره بخلاف الطاعة فإنّها قد تحسن لغيره كطاعة الأب و المولى و السلطان و الزوج، فمن قال: إنّ العبادة هي الطاعة فقد أخطأ لأنها غاية التذلّل دون الطاعة فإنّها مجرد موافقة الأمر، ألا ترى إنّ العبد يطيع مولاه و لا يكون عابدا له؟ و الكفّار يعبدون الأصنام و لا يكونون مطيعين لهم؟
إذ لا يتصوّر من جهتهم الأمر.